متى استعبدتم الناس …
كتب حكيم الليبي :
كما تعتبر عملية غسيل الأموال ركناً أساسياً في دورة حياة الجريمة المنظمة وبدونها لا تؤتي الجريمة ثمارها المرجوة فكذلك فان تزوير الوعي الجماعي لا يقل أهمية في الانظمة العقائدية وخصوصاً الغيبية منها.. ومن أكثر القضايا التي تعرضت للتزوير في تاريخ الاسلام هو موقف الاسلام من الرق والاستعباد.
وحتى لا يتهمني البعض بالرغبة في مهاجمة الاسلام فدعني أوضح ان موقف جميع الديانات التي تزعم انها سماوية من قضية الرق هو موقف متشابه يتراوح بين اللامبالاة والانتهازية الرخيصة، فجميع الأديان صمتت صمتاً مريباً ولم تورد نصوصاً تدين فيها هذه الجريمة البشعة بينما استفادت الى أقصى حد من العبيد في القتال والحروب بل واستفادت من أثمانهم لشراء الاسلحة وارضاء نزوات السادة الاحرار فيما يعرف بملك اليمين، فقد أباحت الأديان أجسادهم وأموالهم وأعراضهم بل وحتى مستقبل أبنائهم إذ أقرت ان ما يولد للعبد والأمة من أبناء يكونون عبيداً للمالك، ولكن أصحاب الديانات باعوا الوهم لهؤلاء العبيد إذ وعدوهم بالجنان والجواري الحسان كما هي العادة .. بيع الأجل.. أعطني حياتك وحريتك ومالك ودمك وعرضك الآن وفوراً وسأعطيك قصراً ومالاً في الآخرة، ولا عزاء للمغفلين..
وان دل تشابه موقف الديانات هذا على شيء فانما يدل على وحدة مصدرها وهو العقل الانساني المغامر الذي لا يعترف من المبادىء الأخلاقية الا بما يساعده في مغامرته.. أما ما عدا ذلك فيعطيه من طرف اللسان حلاوة كما يقولون..
ولو كانت هذه الأديان من عند الله كما يزعمون لكانت أتت بنصوص واضحة وقطعية تدين هذه الممارسة البشعة، ولكننا نجد الأديان قد أقحمت الله في عداوات شخصية مع البشر كمعركته مع ابي لهب وزوجته حمالة الحطب، وفي عداوات مع بعض الاجناس كعداوته مع اليهود في الدين الاسلامي وعداوته مع غير اليهود في الديانة اليهودية… بل قد وصل به الأمر الى عداوة الحيوانات فهو يحمل بغضاً شديداً للخنزير فيحرم أكله ويكره الكلب فيجعل لعابه نجساً ولا يقبل صلاة شخص لامس كلباً.. كما يتلبس بتحقير مخلوقاته التي يفترض انه خلقها بنفسه فيشبه بعضاً من خلقه بالقردة والخنازير.. ولا أدري لماذا يحتقر الله هذه الحيوانات وهي صنع يديه؟ فاذا كان في الصنعة عيب فالعيب في الصانع ولا شك..
وبالعودة الى موضوعنا نقول ان عملية تزييف الوعي فيما يخص قضية العبودية جاءت بواسطة الزعم ان الاسلام لم يقر العبودية وانه اراد التدرج في الغائها لحكمة عدم مواجهة المجتمع بتغيير فجائي يمس قواعده فيزلزلها .. وهذه ادعاءات لا يقوم عليها دليل ولا يعلمها حتى الرسول نفسه ولا صحابته الذين مارسوا الرق والنخاسة واستفادوا من عرق العبيد في بناء الدولة ومن عرق الجواري في قضاء الحاجات !! ثم خلف من بعدهم خلف رأى أن هذه العورة لا يمكن أن تترك بدون غطاء فاجتهدوا في اخراج هذه المغالطات التاريخية.. وللأسف فان الوعي الجماعي لا يزال يردد هذه المزاعم ببغائية مدهشة حتى يومنا هذا..
من أكثر المقولات التي يحتج بها هؤلاء هي قول عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) ويحاولون أن يستدلوا بها على انكار الاسلام للرق.. ويغفل هؤلاء عن جهل أو تعمد أن عهد عمر بن الخطاب شهد أكبر عملية استرقاق جماعي في التاريخ الاسلامي ان لم يكن في التاريخ البشري نتيجة الحروب المتواصلة التي شنها المسلمون على الفرس والروم والأقباط في مصر والبربر في شمال افريقيا.. وعمر بن الخطاب لم يكن ينكر الرق أو يحرمه فهو لم يفهم هذا من الرسول ولم ير ما يدل عليه في القرآن بل كان يستجلب العبيد والجواري الى المدينة وهم صغار السن وقد كان شخصياً يملك عدداً من العبيد والاماء وقد مات مقتولاً بيد عبد وهو أبو لؤلؤة “المجوسي”.. ولو كان عمر يحارب الرق لكان أعتق هذا العبد وتركه يرجع الى قومه في بلاد الفرس ولما انتهي مقتولاً بيده..
هذه العبارة التي تنسب الى عمر بن الخطاب انما تفهم في اطارها والقاضي بأنه لا يجوز أن يستعبد الحاكم من كانوا أحراراً أصلاً خارج الأطر المتعارف عليها في استرقاق الناس في ذلك الزمن، ولا يفهم بأي حال انه استنكار للعبودية كممارسة ومفهوم، أو كما صاغها أحدهم “حرية تجار العبيد”.
وعندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة فانه لم ينظر لنساء النبي على أنهن أكفاء فكما يحدثنا ابن كثير في البداية والنهاية (وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من ازواج النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم اثنا عشر الفاً، واعطى جويرية وصفية ستة الاف ستة الاف بسبب انهما سبيتا) .. كما يحدثنا ابن كثير عن عائشة ان الرسول شخصياً كان (يقسم لمارية وريحانة مرة ويتركهما مرة) [1] أي انه حتى في العطاء كان يعطي نسائه الحرائر ضعف ما يعطي السبايا، وهذا النص يبين لنا انه لا الرسول ولا عمر ولا ابن كثير يملكون أي فكرة عما يدعيه اسلاميو اليوم عن التدرج في العتق والمساواة بين الناس… بل كانوا أبناء عصرهم يعتبرون الحر حراً والعبد عبداً.
ومما يؤكد هذا الفهم أن الرسول نفسه قد ولد فقيراً يتيم الأب ولم يكن يملك عبيداً ولا إماء ولكنه مات وهو يملك العبيد والاماء، ولابن كثير في البداية والنهاية باب كامل أسماه “باب في ذكر عبيد الرسول –ص- وإمائه وخدمه وكتابه وأمنائه”!، وكذلك فعل صحابته الذين جاوزت مقتنياتهم من العبيد والإماء كل تصور. فاذا كان الغرض هو التدرج فلماذا لم يصل الرسول في نهاية ربع قرن من الدعوة الى ان يترك نصاً واحداً على الأقل يحرم الرق وهو الذي ضرب الربا ضربة واحدة في خطبته في حجة الوداع، بينما لم يتدرج أبداً في اباحة زواج الرجل من طليقة متبناه؟
ومهما حاولنا لي اعناق النصوص والحوادث التاريخية فاننا لن نستطيع ان ننكر أن الرسول قد بعث نساءً وأطفالاً من أسرى بني قريظة مع سعد بن عبادة الى الطائف[2] ليبيعهم ويشتري بثمنهم خيلاً وسلاحاً!! فالرسول لم يجد حرجاً في بيع وشراء البشر في سبيل شراء السلاح فمن أين جاء تكريم الناس والتدرج في تحرير العبيد وتلك السيمفونية التي لا يمل الاسلاميون من تكرارها؟
ثم هل من المعقول أن يموت الرسول ويختم اتصال السماء بالأرض دون أن يترك نصاً في قضية مهمة كهذه ويتركها لاجتهادات البشر؟ لماذا لم يترك قضية كال
المزيد