على هامش ذكرى استقلال الجنوب

كتبهاأحمد ناشر ، في 29 نوفمبر 2008 الساعة: 18:21 م

في خمسينيات القرن الماضي عندماكانت عدن تحت الأنتداب البريطاني – أقول الأنتداب وليس الأحتلال لأن بريطانيا كانت موجودة بناء على قرار دولي اتخذه مجلس الأأمن لتهيئة البلد لحكم نفسها – تناقل الناس في اجتماعاتهم ومجالسهم قصة البدوي الذي نزل الى عدن رفقة حماره وعندما وصل المدينة شاهده الأنجليز وهو يضرب حماره ضربا مبرحا فما كان من جنود الأنجليز الا أن أوقفوا الرجل وأحالوه للمحاكمة لسؤ معاملته للحمار , وفي الوقت الذي كان يمثل فيه البدوي أمام القاضي الأنجليزي كان حماره آخر نغنغة ودلع يقف مزهوا أمام قسم شرطة المدينة ومن حوله مالذ وطاب من  مطاعم الحمير .. سأل القاضي البدوي:

_ لماذا تقسوا على الحيوان المسكين ؟

_ سيدي لقد أعجب الحمار بجمال المدينة وأضواءها ونظافتها فققرر أن لا يعود معي الى القرية .. حاولت معه بالحسنى أن يسير أمامي عائدا بعكس الأتجاه الذي أتينا منه فأبى وأصر الأ أن يقف كالجبل الأشم لا يتحرك برغم ضربات العصا ونغزاتها على مؤخرته.

_ مهما يكن , فليس من حقك أنت الحيوان العاقل أن تعامل الحيوان الأعجم بهذه القسوة , أنت رجل غير مؤتمن على هذا الحمار لذا قررنا أن نشتريه منك .. فكم تطلب في هذا الحمار ؟

 

تلفت الرجل يمنة ويسرة في المحكمة كأنه يستشف من الحضور رأيهم قبل أن يجيب بنعم أو لا .. ولم يمهله القاضي حتى يرد ولكنه واصل قائلا :

_ سنشتريه منك بعشرة دنانير , فغر الرجل فاه غير مصدق لما يسمع , فلم يحلم ذات يوم أن مثل هذا المبلغ سيدفع له في حمار لا يساوي دينارا بأسعار ذلك الزمن .. لم يتردد الرجل كثيرا

_ حسنا لقد قبلت بيع حماري بهذا المبلغ .

 

خرج الرجل من المحكمة ثم ذهب لألقاء النظرة الأخيرة على حماره الثمين قبل أن يعود الى القرية , وقف أمام الحمار وهو يخاطبه بدهشة :

_ أما كان الأجدر بك أن تخبرني بأن لك أقارب في بريطانيا !!

 

كانت تلك القصة مثار تعجب الناس اقول تعجبهم وليس اعجابهم , فالناس لم يتعودوا أن يعطوا للحمار أو للكلب أو للقط أي أهمية وقيمة ليس ذلك فحسب بل حتى حياة البشر لم يكن لها أهمية في نظرهم , ففي ثقافتنا البدوية أن الرجولة هي القسوة والجلافة والخشونة ولا مكان فيها للعواطف أو الدموع والرحمة .

 

تذكرت هذه القصة اليوم عندما أخبرني أحد الأصد\قاء بأنه في هذا العام حصل حادث شنيع في احدى قرى الحجرية وهو ان أحد القرويين قام بصب الكيروسين – الجاز – على حمار ثم قام باشعاله فركض الحمار طوال الطريق والنار تشتعل فيه فيما وقف اهل القرية يضحكون ويتفاكهون وقام هذا الرجل بعمله هذا تحت مبرر أن الحمار المقتول حرقا بهذه الطريقة البشعة قد أكل حفنة من حبوب طعام هذا الرجل…

 

وبعد أن غادر الأنجليز كان البدو العائشين في مدينة عدن قد لبسوا البنطال والقميص والبدلة السموكينج ودخنوا السجائر وركبوا حمار أبليس – الدراجة الهوائية كما كان أخواننا في نجد يسمونها - تماما مثل الأنجليز, ولكن لم تكن أـخلاقهم وقيمهم تشبه قيم وأخلاق الأنجليز فبقت فيهم طبائع البداوة وجلافتها وقسوتها فرأينا القتل الذي كان ينفذ بأبشع صوره ضد رفاق الأمس وكانت حلقة 13 يناير هي الحلقة الأكثر دموية وبشاعة فلقد تم رص جثث القتلى واتخاذها متاريس يطلق المتقاتلون النار من خلفها على بعضهم البعض ..وفي احدى الروايات أن أحد حراس السجن الذي يضم أسرى أحد الأجنحة المتصارعة أطلق النار على أحد السجناء وأرداه قتيلا وعندما سأله الضابط : لماذا صنعت ذلك ؟؟ أجاب لأنه كان يتقنفز (يتنطنط).

 

شخصية البدوي الجلف الذي يعيش داخل كل منا هي من تستعمرنا الى اليوم وتتحكم بسلوكنا ونظرتنا لبعضنا البعض , وهي من يحول بيننا وبين أن نعيش فيما بيننا بسلام وحب , هذه الشخصية يعمل على تكريسها فينا مشايخ الدنيا (شيوخ القبائل) ومشائخ الآخرة (مشائخ الدين ) وذلك حتى يستمر استعبادهم لنا ونهبهم لأموالنا بالباطل تحت شعارات الهوية الدينية والوطنية والقبلية .. أحبابي في الله تعالوا بنا نتبنى الهوية الانسانية ونترك ماعداها من هويات لن تجلب لنا سوى القتل والكراهية ومزيدا من الفقر والجهل … فلنحارب من أجل حرية الأنسان اللامحدودة ..وكرامة الأنسان التي هي أغلى مافي الوجود ..ودعونا من التمايز والتصنيف هذا مسلم وهذا كافر هذا رجعي وذاك تقدمي هذا شمالي وهذا جنوبي ذاك حاشدي وذاك بكيلي ..وليكن التصنيف الوحيد للجميع انسان أعطاه الله الحياة والحرية هدية منه جل شأنه فلا يجوز لكائن من كان من الخلق أخذ هدية الله من خلقه..سيكون يوم تحريرنا الحقيقي هي تلك اليوم التي نرمي فيها انتماءتنا القبلية والمناطقية والدينية خلف ظهورنا ونشيع الحب فيما بيننا لينتشر ويمتد ليطال الحمير والكلاب والقطط وكل مخلوقات الله .. فهل معركة التحرر هذه تستحق منا أن نبدأها ؟.

 

أليزابيث … أعذرينا

فلقد عرفنا فضلك متأخرينا

يوم غادرتنا ..كانت عدن

تضوع مسكا وياسمينا..

واليوم .. بعد أن بلغنا الأربعينا

مادرينا..

أعدن ماتت ..أم ترانا فيها قد خرينا ؟؟؟

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “على هامش ذكرى استقلال الجنوب”

  1. Interesting article, I admire you writing Mr. Ahmed and the objective perspective you reflect on our realities. Abu Ali-Canada

  2. شكرا أبوعلي على كلماتك الطيبة النابعة من قلب ملئ بالحب وخال من الكره … قصة الحمار الذي دخل مدينة عدن وأبى العودة مع مالكه في خمسينيات القرن الماضي ..تكررت كثيرامثل هذه القصة كثيرا بعد الأستقلال حيث رأينا كثيرا من المناضلين وأبناءهم يهربون الى لندن ويطلبون اللجؤ هناك هربا من ظلم وطغيان الحكام الجدد (البدو) .. لو سألت شابا يمنيا من احفاد المناضلين عن حلمه اليوم لقال لك الهجرة الى بلاد الأنسان والهرب من بلد التوحش والهمجية … صنعنا دولا تشبه تلك الدول التي صنعها الأنسان المتحضر من حيث الهياكل الأدارية والمسؤليات ووضعنا أنظمة ضريبية وتأمينية شبيهة بتلك التي عندهم ولكننا عجزنا عن صنع الأنسان الذي يشبه انسانهم فما زلنا نرفض أن نكون راقيين وأمناء ورحماء مثلهم لذلك فشلنا فشلا ذريعا في أن تكون لنا دولتنا التي هدفها هو خدمة الأنسان كما هو عندهم وبدلا عن ذلك سخرنا الأنسان من أجل أن يكون عبدا للحاكم وخادما لدولته..ما أهدف اليه هو تصحيح الوعي ليفكر من جديد من هو المستعمر ؟؟ ومن هو صاحب مبدأ الحرية؟



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر