حكاية سندباد المنحوس في بلاد الهندوس 3-3
كتبهاأحمد ناشر ، في 2 سبتمبر 2008 الساعة: 14:08 م
أووتـــــــــــــــي الجميــــــــــــــــلة
صحونا من النوم السابعة صباحا ونزلنا من الفندق لننتظر الباص الذي سيقلنا الى أووتي , تستغرق
الرحلة خمس ساعات , وتقع أووتي في ولاية تاميلنادو. وفي الطريق تناولنا فطورنا المكون من الماسلادوسا التي نخاف ان نطلب غيرها للفطور حتى لا نفاجأ بما هو أسوأ من وجبات أكثر حراره منها .. ثم انطلقنا لنبدأ الدخول بمنطقة الغابات فواجهتنا لوحات تحذيرية من الحيوانات المفترسة وطلب منا اغلاق النوافذ في حال رؤيتنا للنمور التي من الممكن أن تقفز على الشبابيك المفتوحة . مشينا في الطريق الأسفلتي المخترق للغابة وواجهنا قطيع الفيلة الذي ترونه في الصورة :

بدأنا بعد ذلك بالأرتفاع في طريق تتلوى كالثعبان وهكذا نرتقي حتى نصل الى ارتفاع 8800 قدم فوق مستوى سطح البحر حيث ترقد أووتي الجميلة ويطلق عليها ملكة القمم الجبلية وسط قمم الجبال الزرقاء , وبرغم كوننا في الصيف الأ اننا بدانا نشعر بالبرودة , اووتي هي المكان المناسب لعشاق الطبيعة, عندما تصل اليها يراودك الأحساس بأنك فعلا تعود لأحضان الطبيعة البكر التي لم يلوثها البشر, وبدأنا بالذهاب الى بحيرة أووتي , يوجد مكتب على البحيرة لتأجير أنواع مختلفة من القوارب لتطوف بالبحيرة , استأجرنا قاربا يتسع لأربعة أشخاص يتحرك بالقدمين مثل الدراجة الهوائية (بيدلة) يقوم بتحريكه الراكبان اللذان يجلسان بالمقدمة وتم اعطائنا سترة نجاة لكل واحد منا لأستخدامها في حالة الغرق – لا قدرالله – ومن غير تزويدنا بأي تعليمات نزلنا البحيرة وبدأنا بقيادة القارب ولكننا لم نستطع الابتعاد كثيرا في البحيرة خوفا من أن لا نعود . البحيرة تحيط بها غابات من اشجار البلوط والأناناس وأشجار غريبة أخرى لا أعرف اسمائها .

تحركنا بعد ذلك الى مطعم لتناول الغداء , المطعم يقدم وجبات من مناطق شمال الهند وهي وجبات جدا لذيذه تشبه الى حد كبير وجبات المطبخ التركي . تناولنا دجاج تكا بالأضافة الى البرياني الرائع وكانت بالفعل وجبة رائعة ترد الروح بعد معاناة

طويلة مع الفلفل والبسباس .. انطلقنا بعد هذه الوجبة اللذيذة الى صيدلية الأعشاب وهي تبيع علاجات القشرة وتساقط الشعر وعلاجات كثيرة لأمراض مختلفة مايميزها انها كلها معمولة من الأعشاب الطبيعية , وبعد ان اشترينا منها ما أردنا تحركنا الى أووتي بوتانيكال جاردن أو حديقة النباتات الطبيعية , هذه الحديقة انشئت خلال 1857-1867 ومن الصعب أن أجد كلاما يناسب الروعة والتنسيق والخضار والجمال الذين تحويهم هذه الحديقة .. مساحة الحديقة حوالي 22 هكتار وتقع على منحدر جبلي يبلغ ارتفاعه 2400-2500 متر . مجموعة مختارة من فصائل الحياة النباتية المتنوعة من الأشجار العطرية وأشجار الصبار بالأضافة الى أشجار غريبة باللون الأرجواني وألوان أخرى مذهلة وحتى أشجار صبار غريبة لم تسبق لي رؤيتها و بالأضافة الى أشجار تنمو في البيوت الزجاجية . كل ما يحيط بك هنا يشعرك بأنك في حضن أمك الطبيعة الذي لا تريد أن تتركه أبدا .

خرجنا من الحديقة وفي الطريق الى الحافلة رأيت شابا يافعا يبتسم في وجهي ويعرض علي بضاعته من الفوانيس أعجبني أحدهم فقررت شراءه لكنه طلب سعرا غاليا في البداية فرفضت ولكنه عاد ليقول لي : هذا ليس مصباحا عاديا انه مصباح علاء الدين ضحكت من توظيفه الخرافة في شد انتباه الزبائن , وبعد مفاصلة معه دفعت له 50 روبية واشتريت الفانوس .
اقترب الليل وغادرنا أووتي وفي قلوبنا حسرة حيث لم نرى مزارع الشاي الموجودة في كونور ولم نكمل بنفس الوقت التجوال في الحديقة النباتية التي مازال فيها اقسام النباتات الأيطالية والسويسرية وغيرها فالحديقة كبيرة جدا وبها أشجار نادرة من مختلف أنحاء العالم ويلزمك يوما كاملا لتتمتع برؤية كل شئ فيها …ركبنا الحافلة في طريق العودة الى بنجلور يلزمنا تقريبا 8 ساعات من السفر المتواصل ..
أسدل الليل أستاره وبدأ كل من في الباص بالنوم وفجأة تحولوا الى فرقة أوركستراتعزف لحنا نشازا يصدر من آلات موسيقية مختلفة لا تربطه نوتة ولا نظام وحتى لا أفقد أعصابي وضعت سماعة جوالي في أذني وشرعت بترك حواسي لفيروز ثم تحسست الفانوس الذي اشتريته وفركت زنبرك الفتيلة .. وياللهول !! بدأت أشعر ببرودة وقشعريرة تسري في جسدي وأحسست أن ماتبقى من شعيرات صغيرة في رأسي قد وقفت , ولولا بقية من شجاعة ورثتها عن جدي المرحوم الصغير لرميت بالفانوس على الركاب .. ظهر لي ذلك المارد الذي كنت أقرأ عنه في قصص الأطفال ليقول لي : شبيك … لبيك… عبدك بين يديك … فأمر تطاع … نزعت سماعة الهاتف من أذني وتأملت يمنة ويسرة فاذا بالركاب مازالوا يعزفون النغمة النشازاياها فأيقنت أن لا أحد يدرك ما يحصل معي .. استجمعت قواي والتفت الى المارد بملامح صارمة وقلت له : أريدك أن تسافر بي الى المستقبل .. أريد أن أرى الهند عام 2100 كيف تكون ؟ وبفركة اصبع وجدت نفسي وسط مدينة عجيبة كأنها من مدن الخيال … الزمن ليل والأضواء تملأ الطرقات بمختلف الألوان .. والسيارات تسير بهدؤ لا تسمع لها صوتا … والشوارع نظيفة ..تبدو كأنها مرايا نظيفة ومصقولة تكاد أن ترى صورتك أمامك وأنت تسير فيها من كثر لمعانها .. ياللهول !! أين أنت ياسندباد ؟؟ أيعقل أنك في مدينة هندية عام 2100 ؟؟ نظرت أمامي فرأيت أعدادا غفيرة من البشر بأثواب بيضاء ونساء بأثواب سوداء وبيد كل منهم شئ يشبه المقشة التي نكنس بها الأرض ولكنها غريبة بعض الشئ .. اقتربت من أحد الرجال وسألته : ماهذا الذي بيدك ؟؟ أجابني وهو ينظر لي بسخرية : انها مقشة ألكترونية أيها البدوي .. سألته : يبدو من لهجتك أنك من ديار العرب ؟؟ قال لي : نعم .وأنت ؟ أجبته : أنا اتيت من التاريخ ؟ قهقه الرجل وقال: يبدو أنك قادم من المصحة العقلية ..قل لي كيف أتيت من التاريخ ؟ قلت له : أتيت على بساط الريح … ولكن أخبرني مالذي اتى بكم الى هنا أنتم ونساءكم لتكنسوا الشوارع بعد أن كنتم تستقدمون الهنود ليعملوا خدما عندكم في البيوت ؟؟ فتنهد الرجل بحرقة شديدة وقال : لعلك لم تسمع بأن الهنود الملاعين ومعهم الصينيين الألعن منهم قد اكتشفوا وطوروا بدائل للطاقة الأحفورية – النفط – فأصبحت السيارات كما ترى تجوب الشوارع بالطاقة الشمسية والحيوية والرياح او كما يسمونها الطاقة المتجددة وأصبحوا من أغنى شعوب الأرض بسبب هذه التكنولوجيا أما نحن فقد بار نفطنا وجفت آباره وانتشرت المجاعات وعم القحط في بلداننا ولم نجد حتى شربة الماء الملوثة لنشربها فهاجرنا الى بلادهم وعملنا لديهم في تنظيف الشوارع نحن ونساءنا وهانحن اليوم تطالب لنا منظمات حقوق الأنسان بحقوقنا الأنسانية التي سلبت منا بسبب المعاملة الانتقامية الني نلقاها من الهنود .. نظرت اليه بحسرة والدمعة تكاد ان تنزلق من عيني .. نظرت أمامي فلمحت انسانا آخر يلبس معوزا وقميصا بدا لي أني أعرفه … ياللغرابه ملامحه تشبه ملامحي كثيرا وحتى مشيته كأنه أنا ..اقتربت منه .. نظر الي غير مصدق مايراه .. رايت ملامحه تتغير بسرعة من دهشته لرؤيتي .. اقترب مني ومد ذراعيه ليحضنني وعينيه تشرغ بالدموع قائلا : جدي …جدي …من هذا؟! انه حفيدي سند …صرخت بصوتي : سند …سند ! ماذا تصنع هنا ؟؟ أجابني بعد أن بدأ رجلا متماسكا كجده ومسيطرا على أعصابه : أبحث عن عمل ياجدي .. فسندك ياجدي الذي خلفته انتهت صلاحيته ولم تعد له قيمة .. لم تستثمر سندك ياجدي بالعلم والتكنولوجيا بل علمته الخرافات وكل ما يضر ولا يفيد … وهاهو سندك ياجدي لا يجيد عملا ولا يحسن صنعة .. أنا ضائع ياجدي في بلاد الهندوس ..لا احد يريدني .. أشعر أنني أعيش خارج التاريخ .. أنا مازلت أعيش زمانك ياجدي ..انا أريد أن أذهب معك الى حيث أنت … أنا لا أصلح لهذا الزمن ….
- - السادة الركاب .. أخيرا وصلنا الى ميسور … ستنتقلون الى حافلة أخرى تقلكم الى بنجلور … شكرا على اتاحة الفرصة لنا لخدمتكم …
كان ذلك صوت سائق الحافلة الذي قطع علي رحلة المستقبل وأعادني الى الزمن الحاضر .. فركت عيني واستعذت بالله من الشيطان الرجيم … وقلت في نفسي ….خير اللهم اجعله خير …..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سفر وتجوال | السمات:سفر وتجوال
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























